محاولات لنقش أغنية على جدار الطلسم

التقارب ومحنته … محاولة لفهم الآخر | مايو 1, 2007

إن مظاهر الصلاح والفساد التي تلاحظ على السطح الاجتماعي هي حالات متحركة ومتغيرة تبعا لإرادة الإنسان ، وتخضع عادة لمتبنيات وعوامل فكرية أو عقائدية تشكل مسببات وعللا أساسية ، وهي التي أنتجت هذه الظاهرة أو تلك ، فالنزاع والتخاصم والفرقة أو الوحدة والوئام ولتقارب كلها تمثل ظواهر تبرز في حياة الأمة هنا وهناك لتحكي مستوى حيويتها ورسالتها أو عبثيتها وعشوائيتها ، فهي ليست موردا للاستثناء في حياة الإنسان بل هي بلا إشكال مرتبطة بسنن الله في الاجتماع والحياة لكل الأمم . والإسلام يدعو لبناء مجتمع التوحيد والعدل ونبذ الجهل إيمانا منه بأن الجهل ينتج النزاع والخلاف ويهشم صرح الوحدة والبناء ،وبعكسه الثقافة والعلم اللذان يريدهما الإسلام ، فهما يشكلان عنصرا هاما وحيويا في حياة الأمة ومسيرتها التكاملية إذ يؤديان إلى تنمية المجتمع وتكامله ؛ لذا فقد شخص الإسلام البنى التحتية من الأفكار التحتية لنا مظاهر الوحدة والمحبة والإخاء وزود المسلم بالوعي والبصيرة وسلحه بالنظرة الفاحصة للأمور ليكون موقفه إزاء التركة الثقافية أو الظواهر السلبية التي خلفتها ظروف الانحطاط والتخلف موقفا مسئولا غير منفعل بها ، بل يستوعبها لغرض المعالجة بهدي إلهي حقيقي ووعي رسالي ثاقب . فإذا كانت الوحدة تعني في منظورها الإسلامي الإسلام وقوته أو الإسلام وشموليته ، والتقريب يعني خطوة أو مفردة أو مجموعة مفردات إسلامية ذات صيغة عملية تهيأ لإيجاد الوحدة ، وهذا الوعي للوحدة والتقريب بلا إشكال يدفع صاحبه للبحث عن تلك المفردات على أمل أن تتحقق الوحدة في أجوائها السليمة ، فيلتقط المحب الهادف كل مفردة حقيقية ذات مساس بقضية الوحدة كالنحلة حين تمتص رحيق الزهور ، فيميزها جليا لا لبس فيه ليكون واضحا عنده ما هي المفردة التي تعمق الخلاف بين المسلمين ليتجنبها ، ثم ما هي الحالة النفسية سواء كانت ذات منشأ سياسي أو انفعالي والمنقطعة الصلة بالعقيدة وتسبب هدر الطاقات الإسلامية وضياعها ؟ . كما ينبغي أن يدرك صاحب هذا الاتجاه ويفرق بين القسوة والغلظة مع الأعداء ومعنى الذل والرحمة بين المسلمين والمؤمنين . ثم لا بد من التمييز والتفريق بدقة بين الموارد التي تصب في مصلحة الإسلام والأمة الإسلامية وبين الموارد التي تضر بهما ، ولا تقف المسألة إلى هذا الحد ، وإنما تستدعي معرفة المعيار الإسلامي الذي توزن على أساسه المفردات والعوامل التي ينبغي العمل بموجبها في هذا الحق أو ذاك رغبة في التخلص من الظواهر السلبية وهذا المعيار يتجسد بالقاعدة الفكرية للمفاهيم التي يلتقي على أساسها المسلمون في تصوراتهم كالتوحيد والنبوة والميعاد وفروعها كالصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وغيرها من المفردات الأخرى ذات الصلة بهذه المفاهيم . وانطلاقا من كل ذلك لا يمنع أن نرى بعض الاختلافات بلحاظ كونها خصوصيات أفرزها العقل والنظر العلمي ، أو قل موقفا تترتب على أساسه فكرة في ظل ظروف ومناخات مرت بها الأمة ، ونقبل به على أساسا مقولة أن الوحدة المطبقة في حركة العقل لا تتحقق على مستوى كل التفاصيل في الأفكار والمواقف لأنه ما من قاعدة إلا ولها استثناء فيفسر الاختلاف في بعض الموارد العامة كاستثناء مسموح به في إطار الاجتهاد العلمي ، فيجعل للمسألة بعدا تجزيئيا لا حتمية فيه للوحدة خصوصا حينما نواجه الأشياء الصغيرة في حقولها المتعددة . وهذه المسألة تدعونا إلى أن لا يتحول الجزئي في الاختلاف الفكري إلى حاجز يؤدي إلى تقطيع أوصال الكل وتخريب وحدته ، وقد وقع البعض من الناس فريسة هذا التفكير ، إذ جعل الفاصل الجزئي الصغير أو الموقف الطارئ الذي يسلكه هذا المذهب أو ذاك صفة عقائدية أساسية لأن منظورهم للوحدة هو ذوبان التفاصيل في الكل ، بل رفض أي جزء مختلف فيه عند الآخر حتى لو كان فارغ المعنى والتأثير . ونهاية الأمر فقد أفرز لنا هذا التفكير المصحوب بالموقف إزاء الجزئيات إسلاما متعددا وجماعا متفرقة بدل الإسلام الواحد والأمة الواحدة . والصحيح أن القضية في بعدها الثقافي هي التي تحدد الموقف العلمي ، فثقافة القرآن تدعو للوحدة باعتبارها مبدأ أصيلا فقد تناول القرآن صيغا عملية ، واستعرض المفردات المشتركة بين المذاهب المختلفة وجعلها الأساس في تناول نقاط الاختلاف التي تثير الإحساس والمشاعر سلبا وتقف حائلا دون تحقيق الوحدة من باب خلق الأجواء الودية والانفتاح على الرأي الآخر ، فقد تناول المشتركات بين الأديان لتكون عنصرا للتقريب فركز على قصص الأنبياء ودعوتهم الكبرى ذات القواسم المشتركة . ووفق هذا التأسيس فإننا لا نريد أن ندعو الشيعي أو السني لأن يذوب كل واحد منهما في اعتقادات الطرف الآخر ، ويتنازل عن كل ما يعتقد بصحته أو ما يميزه من خصوصيات ، فهذا ما لا نريده ، ولا ندعو إليه ، وإنما هو البحث عن القواعد المشتركة عند الطرفين والعمل على أساسها . قال الله سبحانه وتعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر [1] ، وقوله جل ثناؤه : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [2] والمقصود بالحبل على أكثر التفاسير هو الإسلام والإيمان ، وقد جسد الإمام علي هذا المبدأ عمليا حين اختلف مع الغير في مسألة الخلافة قائلا : فوالله ما كان يلقي روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده وسلم عن أهل بيته ، ولا أنهم منحوه عني من بعده ، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد وسلم فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي هي متاع أيام قلائل ،يزول منها ما كان ، كما يزول السراب ، أو كما يتقشع السحاب فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتنهنه [3]. وقال في موضع آخر : لأسلمن ما سلمت من أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة .[4] لقد أبقى الإمام علاقته ودية مع من اختلف معهم من الصحابة وانفتح على أساس مصلحة الإسلام العليا ، ولم يسمح بنشوء جدار عازل بينه وبين الذين اختلف معهم في مفدات الإسلام وتشريعاته ما دام أن هناك جامعا مشتركا بينهما يستطيع أن يحفظ بواسطته الإسلام ، فالإخلاص للإسلام وانطلاقه من مبدأ حفظ مصلحة الإسلام العليا هو السر الذي دفع بالإمام نحو هذا الموقف كما يكشف عن إخلاص الإمام علي للإٍلام موقفه من الخليفة الثانيحينما استشاره في أن يذهب مع الجيش إلى بلاد فارس أم لا ، فأجابه الإمام علي : لا تذهب فأنت رأس الأمر وسنامه … فالإمام علي لم يفكر بالخليفة الثاني كفرد عادي ، ولم يفكر بذاته ومكاسبه السياسيةوحقه ، بل انطلق من مصلحة الإسلام . [1] سورة النساء : 59 . [2] سورة آل عمران : 103 . [3] نهج البلاغة : كتاب 62 . [4] نهج البلاغة : الخطبة 74


تعليق واحد »

  1. http://boswsalem.wordpress.com/

    تعليق بواسطة أحمد ثروت — مايو 5, 2007 @ 4:27 م


اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

    Blog Stats

    • 34,580 hits
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.