محاولات لنقش أغنية على جدار الطلسم

رأي المرتضى علي بن أبي طالب عليه السلام في أبي بكر وعمر وخلافه معهما – الخطبة الشقشقية وشرحها

أما و اللّه لقد تقمّصها فلان و إنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى . ينحدر عنّي السّيل و لا يرقى إليّ الطّير . فسدلت دونها ثوبا و طويت عنها كشحا ، و طفقت أرتاي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ، و يشيب فيها الصغير ، و يكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه . ******* المعنى : ( أما و اللّه لقد تقمصها ابن أبي قحافة ، و انه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى ) . ما هذا ؟ . هل هو حرقة و تلهف على الخلافة ، كما يتراءى للأغبياء ؟ حاشا لمن قال : « ان دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها » . و كلنا يعلم ان عليا يفعل ما يقول ، و لا يقول ما لا يفعل ، و اذن فما هو السر لهذه الشكوى و هذا التظلم ؟ السر واضح ، لا إبهام فيه . . انه نفس الشي‏ء الذي أشعر به أنا و أنت ، و كل انسان حين ينتهب ثوبه عن بدنه ناهب أو غاصب ، نقول هذا مع الايمان و العلم بأن عليا أحرص على مصالح الناس من الناس أنفسهم ، و انه لا يرضى و يغضب إلا للّه وحده . . هذا ، الى انها نفثة مصدور هدرت ثم قرت ، كما قال ( ع ) . ( ينحدر عني السيل ، و لا يرقى إلي الطير ) . و كفى شاهدا قول الرسول الأعظم ( ص ) : أنا مدينة العلم ، و عليّ بابها : ( فسدلت دونها ثوبا ، و طويت عنها كشحا ) . و عطف الجملة الثانية على الأولى للتوضيح و التفسير ، و المعنى انه ( ع ) أعرض عن الخلافة ، و لم يلتفت اليها ، ثم بيّن السبب الموجب لذلك بقوله : ( و طفقت أرتإي بين ان أصول بيد جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء ) . بعد أن بويع أبو بكر بالخلافة فكر الإمام ( ع ) : ماذا يصنع ؟ و انتهى به التفكير الى انه واقف بين محذورين : إما أن يصر و ينهض مطالبا بحقه من غير جدوى إلا إراقة الدماء لعدم الناصر ، و تفتيت وحدة الاسلام و المسلمين ، و إما أن يسكت و يصبر حرصا على هيبة الدين و صالحه ، فاختار الصبر كما يأتي . و هذا الكلام واضح الدلالة في أن الإمام ( ع ) لم يعلن الحرب من أجل الخلافة ، و لكنه لم يسكت عن حقه ، بل استمر في الدعوة الى نفسه هو و من شايعه كسلمان و أبي ذر ، و عمار ، و المقداد ، بل واجه بذلك أبا بكر في بعض مواقفه ، و قال له : « أفسدت علينا أمرنا ، و لم تراع حقنا » . كما جاء في كتاب السقيفة للشيخ [ 85 ] المظفر نقلا عن « مروج الذهب » . و قال في خطبة يأتي شرحها ان شاء اللّه : « قال لي قائل : انك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص ، فقلت له : بل أنتم و اللّه أحرص و أبعد ، و أنا أخص و أقرب ، و إنما طلبت حقي ، و تحولون بيني و بينه . . فلما قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين هب كأنه بهت لا يدري ما يجيبني به » و معنى هب هنا : انهزم . و هذا الكلام يدل بظاهره انه كان مع أحد الخلفاء الذين تقدموا على الإمام ، و انه ( ع ) قد طالبه ، و احتج عليه فهزمه و أفحمه ، فهل بعد هذا يقال : ان عليا أقر بخلافة الخلفاء ، و رضي بما كان فيه ؟ أجل ، لا يشك مسلم انه قد تعاون معهم و مع غيرهم على إقامة العدل و الصالح العام . . و قرأت في كتاب « الدرة النجفية » شرح نهج البلاغة لعبد الصمد التبريزي : « ان أكثر الشيعة قالوا : ان عليا لم يبايع أصلا ، و منهم من قال : بايع بعد ستة أشهر ، و قال السنة : بايع بعد أن تخلف في بيته و دافع طويلا » . و على أية حال فمن قرأ تاريخ أهل البيت من علي و فاطمة الى آخر إمام يجد الشكوى و التظلم من كل من تسلط و حكم في عهدهم . فرأيت أنّ الصّبر على هاتا أحجى فصبرت و في العين قذى ، و في الحلق شجا أرى تراثي نهبا حتّى مضى الأوّل لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده : شتّان ما يومي على كورها و يوم حيّان أخي جابر فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشدّ ما تشطّرا ضرعيهافصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها [ 86 ] و يخشن مسّها ، و يكثر العثار فيها ، و الاعتذار منها . فصاحبها كراكب الصّعبة إن أشنق لها خرم ، و إن أسلس لها تقحّم فمني النّاس لعمر اللّه بخبط و شماس و تلوّن و اعتراض . فصبرت على طول المدّة و شدّة المحنة . ****************** المعنى : ( فرأيت ان الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت و في العين قذى ، و في الحلق شجا ) . صبر الإمام ( ع ) على مضض حيث لا ملجأ إلا الصبر ، و لو لم يصبر لوقع ما هو أشد و آلم . و تسأل : هل عدم الصبر يكشف عن عدم الإيمان ؟ الجواب : ان الصبر من شؤون العقل لا من شؤون الدين ، لأنه نتيجة لعملية الموازنة بين ضررين لا مفر من أحدهما ، يجريها الانسان بنفسه . . و ليس من شك ان العاقل يختار ما هو أخف وطأة ، و أقل ضررا ، و الدين بدوره يقر العقل على حكمه و اختياره ، أما الأحاديث التي تقول : لا إيمان بلا صبر ، فمعناها في واقع الأمر أنه لا إيمان بلا عقل سليم يختار الأجدى و الأصلح . . و من البداهة ان اللّه سبحانه يجزي العباد بعقولهم تماما كما يجزيهم بإيمانهم . ( أرى تراثي نهبا ) . كنى عن الخلافة بالتراث لأنها حق له تماما كالميراث الذي هو حق خاص بالقريب دون البعيد ، و ليس المراد ان الخلافة إرث كالمتاع . . كيف و هو القائل : و اعجباه . . أتكون الخلافة بالصحابة و القرابة ؟ . و تسأل : و كيف تكون الخلافة حقا خاصا بعلي ؟ . الجواب : قال الشيعة : ان النبي ( ص ) نص على علي بالخلافة ، و قال السنة : بل تركها شورى بين المسلمين . و سألهم الشيعة : هل نص النبي ( ص ) على ان الخلافة شورى بين المسلمين ؟ . ثم قال الشيعة : و اذا ادعى مدع ان وجوب الشورى من الواضحات ، و لا يحتاج الى نص و بيان . . هذا ، الى أن اللّه سبحانه قد نص عليها بقوله : و أمرهم شورى بينهم 38 الشورى . اذا ادعى هذا مدع أجبناه : لو كان الأمر واضحا لما وقع الخلاف ، و لو كان المراد بهذه الآية الخلافة لكان أبو بكر في نصه على عمر مخالفا للّه و رسوله ، و لا قائل من السنة بذلك ، و اذن فلا دلالة في الآية على الخلافة . [ 88 ] و يتلخص دليل الشيعة على وجود النص بأن اللّه سبحانه قد أكمل الدين لأمة محمد ( ص ) كما جاء في الآية 3 من سورة المائدة : اليوم أكملت لكم دينكم و لا يكمل الدين من غير النص على الخلافة ، لأنها من أهم الأمور ، و عليها قوام الحياة ، و الدين الذي بيّن حكم العصفور المذبوح بلا تسمية لا يهمل ما عليه مدار الحياة بشتى جهاتها . . هذا ، بالاضافة الى انها خلافة عن اللّه و رسوله . . ثم قال الشيعة : ان النص موجود و ثابت بالفعل في حق علي بن أبي طالب بالذات . و قد تتبع الشيعة كتب السنة و آثارهم ، و جمعوا مفردات النص بالخلافة على الإمام ، جمعوا من كتب السنة في الحديث و التاريخ و التفسير بل و الأدب أيضا ، بل تخصص كثيرون من علماء الشيعة في هذا الموضوع بالذات ، و ألّفوا فيه المجلدات ، منها « الشافي » للمرتضى ، و « دلائل الصدق » للعلامة و المظفر ، و آخرها فيما أعلم « فضائل الخمسة من الصحاح الستة » في ثلاثة مجلدات كبار للفيروز آبادي . و يمتاز هذا السفر عن غيره بالحياد التام ، لأنه مجرد عرض و نقل عن كتب السنة بلا فلسفات و تعليقات ، بل يدع المؤلف القارى‏ء و شأنه ، يستخلص بعقله و فهمه ما شاء و أراد ، و لا يحاول إقناعه بشي‏ء . و لكي يبرهن المؤلف على تثبته في النقل ذكر اسم الكتاب و الجزء و رقم الصفحة ، كما ذكر في آخر الجزء الثالث تاريخ الطبع و مكانه ، و اسم المطبعة أو المكتبة التي نشرته . ( حتى مضى الأول لسبيله ، فأدلى بها الى ابن الخطاب بعده ) . و هذه البيعة حملت في طياتها أسوأ الآثار ، و على المدى البعيد بالنسبة الى أهل البيت و شيعتهم . و أي شي‏ء كان أسوأ أثرا على آل الرسول و محبيهم من ولاية معاوية على الشام التي تولد منها خلافة يزيد بن معاوية ؟ و هل كان للأمويين من دولة في الاسلام لو لا ولاية معاوية . ( فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته ) . كيف عقد أبو بكر الخلافة لعمر بعد وفاته ، و كان من قبل يظهر الزهد فيها ، و يقول : أقيلوني منها أقيلوني . أما بيت الشعر الذي تمثل به الإمام فهو لأعشى قيس ، و اسمه ميمون بن جندل ، و حيان سيد بني حنيفة ، و كان في جاه و نعمة ، و كان الأعشى ينادمه ، و يقضيان [ 89 ] أياما في السكر و اللهو . . و معنى البيت : فرق بعيد بين يوم الشاعر ، و هو على الناقة تسير به في الرمضاء ، و يومه في الظل الوارف يطرب و يشرب مع حيان ، و غرض الإمام من إنشاد البيت بيان الفرق بين خلافته التي جرّت عليه المتاعب كيوم الشاعر على الناقة ، و بين خلافة غيره التي كانت كيوم الشاعر مع حيان المترف . ( و لشد ما تشطرا ضرعيها ) . ضمير التثنية في تشطرا ، يعود لأبي بكر و عمر ، و هاء ضرعيها للخلافة ، و شبهها الإمام بالناقة يقتسم منافعها الأول و الثاني ، لكل منهما ضرع يحتلبه ، و قال المؤرخون : كان عمر أول من بايع أبا بكر ، فحفظها له ، ( فسيرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها ، و يخشن مسها ) . يشير إلى أخلاق عمر ، فإنه كان معروفا بالغلظة ، قال طلحة لأبي بكر : ما أنت قائل لربك غدا ، و قد وليت علينا فظا غليظا ؟ ( و يكثر العثار فيها ، و الاعتذار منها ) . ضمير منها لطبيعة عمر التي عبّر الإمام عنها بالحوزة ، و كان عمر يتسرع في إصدار الإحكام باسم اللّه و شرعه حتى إذا نبّه الى خطئه اعتذر ، و قد أحصي عليه الكثير ، من ذلك ما هو مشهور كتحديده لمهر الزوجة ، و اعتراض امرأة عليه بآية « و آتيتم احداهن قنطاراً 20 النساء . فقال : كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال . ( فصاحبها أي طبيعة عمر كراكب الصعبة ان اشنق لها خرم ، و ان أسلس لها تقحم ) . من كانت له طبيعة كهذه كان أشبه براكب الناقة الشموس ، ان كفها بالزمام خرم أنفها و شقه ، و ان أرخى زمامها صارت حياته في كف عفريت . ( فمني الناس لعمر اللّه بخبط و شماس ، و تلون و اعتراض ) . يقصد ان الناس ابتلوا بطبيعة عمر ، و هي خليط من الاضطراب ، و عنه عبّر الإمام بالخبط ، و خليط أيضا من الصرامة ، و اليها أشار بالشماس ، و من التبدل من حال الى حال ، و هو المراد من التلون ، أما الاعتراض فالقصد منه عدم الاستقامة على حال . ( فصبرت على طول المدة ، و شدة المحنة ) . أراد بالمدة عهد الذين سبقوه الى الخلافة . . و ليت شعري متى صفت لك الأيام يا أبا الحسن حتى خصصت بالذكر عهد الخلفاء ؟ هل صفت الخلافة لك مع أهل الكوفة أو البصرة ، أو في [ 90 ] صفين أو يوم النهروان ، أو يوم استشهادك و أنت ساجد للّه في بيت اللّه ؟ و لا بدع فحياتك و حياة أبنائك و أحفادك كلها آلام و محن . حتّى إذا مضى لسبيله . جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم فيا للّه و للشّورى متى اعترض الرّيب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت أقرن إلى هذه النّظائر لكنّي أسففت إذ أسفّوا و طرت إذ طاروا . فصغى رجل منهم لضغنه و مال الآخر لصهره مع هن و هن إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله و معتلفه . و قام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّه خضمة الإبل نبتة الرّبيع إلى أن انتكث فتله . و أجهز عليه عمله و كبت به بطنته . ********* ( حتى اذا مضى لسبيله أي عمر جعلها في جماعة زعم اني أحدهم ) . لما طعن أبو لؤلؤة عمر ، و علم انه ميت دعا عليا و عثمان و طلحة و الزبير و سعدا و عبد الرحمن بن عوف ، و قال : مات رسول اللّه ، و هو راض عن هؤلاء ، و قد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ، ثم قال لمن يعتمد عليه : إن اجتمع علي و عثمان فالقول ما قالاه ، و ان صاروا ثلاثة و ثلاثة فالقول للذين فيهم عبد الرحمن ابن عوف لعلمه ان عليا و عثمان لا يجتمعان ، و ان ابن عوف لا يعدل بالأمر عن عثمان لأن ابن عوف صهره و زوج أخته ، ثم أمر عمر أن تضرب أعناق الستة ان امتنعوا عن تنفيذ أمره . هذا ايجاز سريع لمجمل القصة ، لا لتفاصيلها المذكورة في شرح ابن ابي الحديد و كتب التاريخ ، و لكل انسان أن يتساءل : كيف أمر عمر بقتل الستة كلهم أو بعضهم بعد أن شهد بأن رسول اللّه ( ص ) مات ، و هو راض عنهم ؟ و ما هو السبب الموجب لترجيح الثلاثة الذين فيهم ابن عوف على الذين فيهم علي ؟ و لماذا لم يجعل الأمر بيد ابن عوف منذ البداية ؟ و ما الذي دعاه الى أن يجعل الشورى الى ستة لا الى جميع المسلمين كما فعل رسول اللّه على زعمه أو يختار الأصلح الذي يعرفه و يعتقده كما فعل أبو بكر ؟ . و بالتالي اذا كانت الشورى مبدأ اسلاميا إلهيا فقد أشير على عمر أن يختار ولده عبد اللّه ، فلماذا خالف الشورى و استبد برأيه ؟ « فيا للّه و للشورى » . ( متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن الى هذه النظائر ) . عفوك و رضوانك يا مولاي ألست القائل : ان الحق ثقيل مري‏ء ، و ان الباطل خفيف و بي‏ء ؟ . و اذن فأي عجب اذا قرنوك الى هذه النظائر فما دونها ؟ . و ليس من قصدي ان أبرر المقارنة كلا ، و ألف كلا . . و أي مبرر للمقارنة و الموازنة بين مخلوق و بين من قال له الرسول الأعظم ( ص ) : أنت أخي و ولي في الدنيا و الآخرة . . و لكن من قصدي ، و إن قصر البيان ، أن أشير الى أن للحق ثمنه الغالي من البلوى . و من أقوالك يا سيدي : « رب منعم عليه مستدرج بالنعمى ، و رب مبتلى مصنوع له بالبلوى » . و أي صنع و رصيد أجلّ و أفضل من هذا الرصيد الذي [ 92 ] ادخره اللّه لأخيك محمد ( ص ) و لك ؟ . . لقد اتفق المسلمون عليه و عليك ، و اختلفوا في الذين قرنوك و أخروك ، و لا شي‏ء أدل من هذا الاتفاق على انك أخو محمد ( ص ) و انك منه بمنزلة هرون من موسى حقا و صدقا و إلا لاختلفوا فيك تماما كما اختلفوا في الذين قرنوك و أخروك . ( و لكني أسففت إذ أسفوا ، و طرت إذ طاروا ) . لأن المنافسة بين القوم كانت على الألقاب و المناصب ، و الفرص غير متكافئة ، و الظروف غير مؤاتية للإمام كي يردع المخالفين عن الباطل ، و يرجعهم الى الحق ، فكان السكوت لمصلحته و صالح المسلمين . . و لكنه كان عليهم رقيبا يحاسبهم و يرشدهم للتي هي أقوم ، و الانصاف ان أبا بكر و عمر كانا يسمعان منه ، و يرجعان اليه في الكثير من المهمات ، أما عثمان فقد كانت له شياطين لا شيطان واحد يقودهم مروان بن الحكم ، الحاكم بأمره . ( فصغى رجل لضغنه ) . و هو سعد بن أبي وقاص ، و كانت أمه أموية ، و الإمام ( ع ) قاتل الأمويين مع رسول اللّه ، و قتل صناديدهم على الشرك و محاربة الرسول ، و الحقد الذي عند سعد على الإمام جاء من قبل أخواله الذين قتلهم الإمام ( و مال آخر لصهره ) . الآخر هو عبد الرحمن بن عوف ، و كان زوجا لأخت عثمان ( مع هن وهن ) أي أغراض أخرى لا يريد الإمام ذكرها ، و من حكمه : « لا تقل ما لا تعلم ، بل لا تقل كل ما تعلم » . ( الى أن قام ثالث القوم أي عثمان الى قوله كبت به بطنته ) . و ندع الكلام عن عثمان للسنة أنفسهم ، قال ابن قتيبة و أبو الفداء : ان عثمان اقطع فدكا لمروان ، و هي صدقة الرسول التي طلبتها فاطمة . . و كان الحكم بن العاص عمّ عثمان ، و من أشد الناس عداء و إيذاء لرسول اللّه ( ص ) و كان قد طرده و نفاه ، فرده عثمان و أغدق عليه الأموال ، و ولاه ، و أعطاه فيما أعطاه ثلاثمئة ألف درهم من أموال المسلمين في عطية واحدة كما قال البلاذري . و أعطى مروان بن الحكم ، و هو زوج ابنته ، خمسمئة ألف دينار في يوم واحد و أعطى الحارث أخا مروان و زوج ابنة عثمان ، أعطاه ثلاثمئة ألف درهم و إبل الصدقة و سوق المدينة . و جاء في « العقد الفريد » انه أعطى عبد اللّه بن خالد الأموي أربعمئة ألف . و في شرح ابن أبي الحديد : أعطى عثمان أبا سفيان مئتي [ 93 ] ألف . و في « ابن الأثير » : أعطى عبد اللّه بن أبي سرح مئة ألف دينار [ 1 ] . و قال السيد قطب في كتاب « العدالة الاجتماعية » ص 210 طبعة 1964 : « و الأمثلة كثيرة على توسعات عثمان فقد منح الزبير ستمئة ألف ، و طلحة مئتي ألف ، و قال له زيد بن أرقم خازن أموال المسلمين : أظن انك تأخذ هذا المال عوضا عما كنت تنفقه في عهد رسول اللّه ( ص ) . . و كانت توسعات عثمان تغدق على الولاة من قرابته ، فقد وسع على معاوية في ملكه ، فضم اليه فلسطين و حمص . و آوى عمه الحكم بن العاص طريد رسول اللّه ، و جعل ابنه مروان و زيره المتصرف . و كان الصحابة يرون هذه التصرفات خطيرة العواقب ، فيتدافعون الى المدينة لانقاذ تقاليد الاسلام الى أن قال و لا بد لمن ينظر الى الأمور بعين الاسلام ، و يستشعر الأمور بروح الاسلام ، أن يقرر أن الثورة على عثمان كانت في عمومها من روح الاسلام » . و مع هذا قالوا : كان عثمان من الخلفاء الراشدين ، أما السر فيما نظن فهي خلافة علي بعد عثمان ، لأن ما من أحد يجرؤ على القول : ان عليا لم يكن راشدا في خلافته ، و صعب عليهم أن يعدوا عليا من الراشدين دون عثمان ، فألحقوه بهم على علاّته . . و لو ان أحدا تولى الخلافة بعد عثمان غير علي لحصر الرشد بأبي بكر و عمر فقط . ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء و شقّ الأرجاء و سكائك الهواء فأجرى فيها ماء متلاطما تيّاره : متراكما زخّاره . حمله على متن [ 30 ] الرّيح العاصفة ، و الزّعزع القاصفة . فأمرها بردّه ، و سلّطها على شدّه ، و قرنها إلى حدّه . الهواء من تحتها فتيق ، و الماء من فوقها دفيق . ثمّ أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبّها و أدام مربّها . و أعصف مجراها ، و أبعد منشاها . فأمرها بتصفيق الماء الزّخّار ، و إثارة موج البحارفمخضته مخض السّقاء ، و عصفت به عصفها بالفضاء . تردّ أوّله إلى آخره ، و ساجيه إلى مائره . حتّى عبّ عبابه ، و رمى بالزّبد ركامه فرفعه في هواء منفتق ، و جوّ منفهق ، فسوّى منه سبع سموات جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا و علياهنّ سقفا محفوظا . و سمكا مرفوعا . بغير عمد يدعمها ، و لا دسار ينظمها . ثمّ زيّنها بزينة الكواكب ، و ضياء الثّواقب . و أجرى فيها سراجا مستطيرا ، و قمرا منيرا . في فلك دائر ، و سقف سائر ، و رقيم مائر . ****** المعنى : ( ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء ، و شق الأرجاء ، و سكائك الهواء ) . هذه الكلمات الثلاث كلها تشير الى شي‏ء واحد ، و هو الفضاء أو الفراغ اللانهائي ، و أيضا تشير الى ان لهذا الفراغ أبعادا ثلاثة : علوا ، و اليه أومأ الإمام بالأجواء ، و أطرافا ، و هي مراده من الأرجاء ، و طبقات ، و عنها عبر الإمام بالسكائك ، و جمع الأجواء و الأرجاء و السكائك ، و لم يعبر عنها بالإفراد بالنظر الى تعدد طبقات الفضاء الكوني ، و هذه الطبقات اكتشفت بالحس و التجربة بعد غزو الفضاء و صعود الانسان الى القمر . و يطلق علماء الفلك على كل مجرة يعرفونها أي المجموعة النجمية ، يطلقون عليها كلمة سكة بإضافة كلمة أخرى تميزها عن غيرها من المجرات ، و اسم مجرتنا التي نرى بعض كواكبها سكة التبانة . . و مما قرأت ان علماء الفلك اكتشفوا حتى الآن مئة مليون مجرة من بلايين البلايين من المجرات ، و كل مجرة تتألف من بلايين النجوم ، و في مجرتنا وحدها أي سكة التبانة يوجد أكثر من مئة مليار من النجوم ، بعضها أكبر من الأرض بأكثر من ثلاثمئة ألف ضعف . و قال المتخصصون بإثارة الخلافات الكلامية : ان الفضاء مخلوق بدليل قول الإمام : « أنشأ فتق الأجواء الخ » . فردّ آخر منهم بأن الفضاء عدم محض ، و العدم لا يتعلق به الخلق و الانشاء . . و نحن لا نرى أية جدوى عملية من هذا النزاع ، و لا نحن غدا عنه بمسؤولين . . و الذي نفهمه ان اللّه سبحانه جعل الفضاء حيزا و مقرا للكائن الأول من خلقه . ( فأجرى فيها ماء متلاطما تياره متراكما زخاره ) . ضمير فيها يعود الى الأجواء و الأرجاء و السكائك ، و متلاطما و متراكما كناية عن كثرة الماء و عظمته ، و امتداده و ارتفاعه ، و يدل هذا على ان المخلوق الأول للّه تعالى هو الماء ، و انه تعالى أوجده في الجو محمولا على ريح كثيفة و قوية للغاية ، كما قال ( ع ) : [ 36 ] ( حمله على متن الريح العاصفة ، و الزعزع القاصفة ) . الضمير في حمله يعود الى الماء : و العاصفة : الشديدة الهبوب ، و الزعزع : التحريك . ( فأمرها برده ، و سلطها على شده ، و قرنها الى حده ) . الهاء في أمرها و سلطها و قرنها للريح ، و في رده و شده و حده للماء . . و قرنها الى حده أي ان اللّه سبحانه جعل الماء و الهواء من حيث المساحة قدرا بقدر طولا و عرضا ، و المعنى ان اللّه سبحانه بعد أن خلق الماء فوق الريح و على قدرها أعطاها ، جلت حكمته ، قوة عظيمة و جاذبية تستطيع معها أن تشد الماء اليها على ضخامته بحيث لا يسقط منه قطرة واحدة من أطرافه و لا من خلاله . ( الهواء من تحتها فتيق ، و الماء من فوقها دفيق ) . الهواء الجو و الفضاء ، و فتيق أي خال لا شي‏ء فيه ، و دفيق أي دافق بمعنى مدفوق ، و الهاء في تحتها و فوقها للريح ، و المعنى انه كان آنذاك فوق الريح ماء ، و تحتها فضاء . ( ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها ، و أدام مربها ، و أعصف مجراها ، و أبعد منشاها ، فأمرها بتصفيق الماء الزخار ، و اثارة موج البحار ) . هذه الريح غير الريح الأولى التي تحمل الماء ، و المعنى ان اللّه سبحانه خلق ريحا ثانية فوق الماء ، و هذه الريح عقيمة لا تلقح شيئا ، و ملازمة للماء و قوية جدا ، و موضعها بعيد المدى ( فمخضته مخض السقاء ، و عصفت به عصفها بالفضاء ، ترد أوله الى آخره ، و ساجيه الى مائره حتى عب عبابه ) . أي انه تعالى سلّط هذه الريح الثانية على الماء فحركته تحريكا قويا حتى ارتفع ، و تراكم بعضه فوق بعض . ( و رمى بالزبد ركامه ، فرفعه في هواء منفتق ، و جو منفهق ) . ركامه أي متراكمه ، و الهاء في رفعه للّه سبحانه ، أو للماء ، و عطف الجو المنفهق على الهواء المنفتق من باب عطف التفسير ، و المراد انه كان من نتيجة تحريك الريح للماء بقوة و شدة ان تبخر الماء ، و صار بخارا كثيفا ، و يسمى هذا البخار الكثيف المتجمد زبدا ، فرفعه اللّه تعالى في الفضاء . ( فسوى منه أي من الزبد سبع سموات ) . قلنا في المجلد السابع من التفسير الكاشف ص 358 ، و نحن نفسر الآية 12 من سورة الطلاق : ان ذكر السبع لا يفيد الحصر بها ، و إنما خصها الوحي بالذكر لأن الذين خوطبوا بالقرآن آنذاك كانوا يسمعون عن الأفلاك السبعة و كواكبها دون غيرها . [ 37 ] قال المؤرخون : ان الكلدانيين اشتهروا بعلم الهيئة ، و توصلوا الى معرفة الكواكب السبعة السيارة ، و توارثت الأمم هذه المعرفة عن الكلدانيين جيلا بعد جيل حتى زمن العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ، فخاطبهم عن السماء بما اعتادوا أن يخاطبوا به فيما بينهم . و تسأل : كيف تجمع بين قوله تعالى : « ثم استوى الى السماء و هي دخان 11 فصلت » . و بين قول الإمام ( ع ) : ان اللّه خلق السموات من زبد الماء ؟ و أجابوا بأن المراد بالدخان في الآية الكريمة البخار المتصاعد من الماء بسبب تموجه و شدة حركته ، و الزبد عبارة عن بخار كثيف يتصاعد على وجه الماء من حرارة الحركة ، فإذا غلبت عليه الكثافة بقي على وجه الماء و إلا انفصل عنه ، و إذا كان الزبد بخارا في حقيقته و في أصله ، و أيضا كان المراد بالدخان في الآية البخار يكون المعنى واحدا و لا اختلاف إلا في التعبير . . هذا ، الى أنه روى صاحب البحار عن الإمام علي ( ع ) ان سائلا سأله : ممّ خلق اللّه السموات ؟ فقال : من البخار ، و عليه يكون قوله هذا تفسيرا و بيانا للزبد . ( جعل سفلاهن موجا مكفوفا ) . ما من جرم في السماء إلا و هو في حركة دائمة لا يقف لحظة واحدة ، بل يدور حول نفسه أو غيره ، أو ينتقل كل يوم أو كل شهر أو كل عام من موضع إلى موضع ، و لذا شبه الأجرام السماوية بالموج الدائم في حركته ، و خص بالذكر الجهة السفلى مع ان الجرم يتحرك بكامله ، لأن هذه الجهة يمكن رؤيتها من الأرض ، و لو بواسطة المراصد ، و المراد بالمكفوف الجمود و عدم السيلان . ( و علياهن سقفا محفوظا ) من الخلل و نحوه ، و يطلق السقف على جهة العلو من كل شي‏ء . و تجدر الاشارة الى ان التعبير بأعلى و أسفل و فوق و تحت إنما يصح بالنسبة الى ما يراه أهل الأرض بأعينهم ، أما الأجرام السماوية السابحة في الفضاء فلا أرض عندها كي توصف بهذه الكلمات الاضافية ، بل كل شي‏ء بالنسبة اليها فضاء ، و عليه يكون وصف السموات بالأعلى و الأسفل تجوزا ، لا حقيقة . ( و سمكا مرفوعا ) . قال سبحانه : رفع سمكها فسواها 27 النازعات . أي رفع أجرام الكواكب فوق رؤوسنا فعدّلها بوضع كل جرم في موضعه الذي به يتماسك و يتجاذب مع غيره من الأجرام ( بغير عمد يدعمها ، و لا دسار ينظمها ) . [ 38 ] الأجرام السماوية قائمة في الهواء ، لا ترتكز على شي‏ء ، و لا يشد بعضها ببعض مسمار أو غيره سوى ما أودع اللّه فيها من الجاذبية التي تحكم جميع الكواكب . ( ثم زينها بزينة الكواكب ) . قيل : ان الهاء في زيّنها تعود الى السماء الدنيا ، لأن اللّه قال : « انّا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب » . و الظاهر ان الهاء في زينها و يدعمها و ينظمها تعود كلها الى شي‏ء واحد ، و هي « سبع سموات » لأنها في سياق واحد ، و العطف بالواو يقتضي المشاركة ، و المعنى ان اللّه سبحانه جعل السموات زينة و جمالا بما فيها من الكواكب ، ثم بيّن السبب الموجب لهذه الزينة بقوله : ( و ضياء الثواقب ، و أجرى فيها سراجا مستطيرا ، و قمرا منيرا في فلك دائر ، و سقف سائر ، و رقيم مائر ) . المراد من الثواقب هنا النجوم و الكواكب ما عدا الشمس و القمر حيث أفردهما الإمام ( ع ) بالذكر . و السراج المسطير الشمس ، و فلك الشي‏ء مداره ، و المعنى ان النجوم و الشمس و القمر كلها تسبح في الفضاء الرحب ، و ان ما يراه الانسان فوقه في السماء كان تحته قبل ساعات ، و ما يراه في المساء على يمينه كان على يساره في الصباح ، و هذه الأجرام الفلكية المضيئة المتحركة هي زينة للناظرين . . بالاضافة الى سائر المنافع التي لا يبلغها الاحصاء . و تجدر الاشارة الى ان الأرض تدور حول الشمس ، و القمر يدور حول الأرض ، فهو تابع في دورانه لتابع . و ما كان كذلك يسمونه قمرا لا كوكبا ( مع اللّه في السماء- للمؤلف الشيخ حمد زكي ) .


Posted in دين
الصفحة التالية »

    Blog Stats

    • 30,203 hits