محاولات لنقش أغنية على جدار الطلسم

مدافع الفقهاء – صالح الورداني – 5 | أبريل 07th 2007

وحين برز ابن تيمية واصطدم بفقهاء عصره بسب أفكاره الشاذة في مسألة صفات الله وزيارة القبور والطلاق وغيرها من المسائل انحاز إليه بعض أمراء المماليك وعاداة الطرف الآخر، ورغم العلاقة التي كانت تربطه بالسلطان محمد بن قلاوون إلا أنه ضحى به في النهاية تحت ضغط الفقهاء والقضاة وحبسه حتى مات في الحبس.. (116)

وفي عصر السلطان الناصر فرج الذي حفل بالمظالم والاضطربات وسفك الدماء دخل فرج في صدامات مع الأمراء الخارجين عليه في الشام ولحقت به الهزيمة النكراء فاستدعى الفقهاء والقضاة وحثهم على نصرته والقيام معه فأجابوه.. (117)

وحين أطيح بالناصر واستبد الأمراء بالحكم تحت ستار الخليفة المستعين، وعاد فرج للمطالبة بالحكم بقوة عسكرية. كتب المستعين والقضاة والفقهاء محضرا يحكمون بمقتضاه على الناصر فرج بالخروج عن الدين واستباحة دمه.. (118)

ولما سقط الناصر فرج في قبضة الأمراء اجتمع المستعين والفقهاء من مصر والشام وقرروا جميعا الحكم بإراقة دمه، فقتل في صفر عام (815 هـ‍).. (119)

ثم أن القضاة الأربعة – الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي – اجتمعوا بعد ذلك بإشارة من كاتب سر السلطان المؤيد شيخ واتفقوا على خلع الخليفة المستعين.. (120)

وكان حكام المماليك إذا ما خرجوا للحرب يأخذون الفقهاء معهم ضمن عناصر الجيش (121)

وقد عبر ابن حجر العسقلاني عن سعادته بانتصار المستعين على المماليك واسترداده لسلطاته قبل أن يطاح به من جديد – بقصيدة طويلة تقول:

الملك فينا ثابت الأساس * بالمستعين العادل العباسي
رجعت مكانة آل عم المصطفى * لمحلها من بعد طول تناسى

____________

(114) أنظر المراجع السابقة وكتب التاريخ التي ترصد العصر المملوكي..



الصفحة 37


فرع نما من هاشم في روضة * زاكي المنابت طيب الأغراس
من أسرة أسروا الخطوب وطهروا * مما يغيرهم من الأدناس
مثل الكوكب نوره ما بينهم * كالبدر أشرق في دجى الأغلاس
فالحمد الله المعز لدينه * من بعد ما قد كان من إبلاس
ومناقب العباسي لم تجمع سوى * لحفيده ملك الورى العباسي
لا تنكروا للمستعين رئاسة * في الملك من بعد الجحود الناس
مولاي عبدك قد أتى لك راجيا * منك القبول فلا يرى من بأس
فأدام رب الناس عزك دائما * بالحق محروسا برب الناس. (122)

ويقول السيوطي مباركا هذه الفترة: واعلم أن مصر حين صارت دار الخلافة عظم أمرها وكثرت شعائر الإسلام فيها، وعلت فيها السنة، وعفت عنها البدعة، وصارت محل سكن العلماء ومحط رحال الفضلاء، وهذا سر من أسرار الله أودعه في الخلافة النبوية حيث ما كانت يكون معها الإيمان والكتاب.. (123)

- الفقهاء والعثمانيين:

وضع العثمانيون حجر الأساس لأول مؤسسة دينية حكومية تخضع لإشراف الحكم في تاريخ المسلمين، وقبلهم كان الحكام يتعاملون مع الفقهاء وفق الحاجة والمصلحة.

فتارة يقربون الشافعية..

وتارة ينقمون عليهم..

وتارة يقربون المالكية..

وتارة ينقمون عليهم..

وكان من الممكن للحاكم أن يتعامل مع فقهاء المذاهب الأربعة في وقت واحد. كما كان الفقهاء والقضاة يدينون بالطاعة والولاء للحاكم ولكهنم لم يكونوا ينطقون جميعهم بلسانه

____________

<=

المستعين..

(119) أنظر المرجعين السابقين وتاريخ الخلفاء..

(120) أنظر بدائع الزهور ج‍ 1 وخطط المقريزي ج‍ 2 والنجوم ج‍ 13. وانظر تاريخ الخلفاء..

(121) أنظر المراجع السابقة..



الصفحة 38


ويعتمدون في أرزاقهم عليه..

إلا أن العثمانيين بإعلانهم مؤسسة شيخ الإسلام قد حكروا الدين في دائرة هذه المؤسسة التي منحت الشرعية وفق مذهب الأحناف الذي تبنته الدولة العثمانية بينما أخرجت المذاهب والاتجاهات الأخرى من دائرة الحماية الحكومية لتتحول إلى أنشطة فقيهة أهلية لا تملك القدرة على التأثير في الجماهير والانتشار على ساحة الواقع بل أصبحت محل رصد السلطة وتحيط بها الشبهات وتوضع أمامها العراقيل.. (124)

وتحول الفقهاء إلى موظفين في الدولة فأصبحوا ينتظرون تعليماتها وينطقون بلسانها ويفتون لصالحها..

ومن باب حماية هذه المراكز الوظيفية والامتيازات التي ترتبط بها اتخذ فقهاء الدولة موقف العداء الصريح من الفقهاء والأنشطة والتيارات التي لا تخضع لهم وتنازعهم دورهم وتهدد نفوذهم وتوقع بينهم وبين الحاكم…

وبداية من هذه الفترة ظهرت طبقتان من الفقهاء:

طبقة حكومية.

وطبقة شعبية.

وبين الطبقتين صراع قائم ومستمر كثيرا ما يسهم الحاكم في زيادة حدته من باب سياسة فرق تسد ومن باب شغل الجميع ببعضهم..

ولقد استقبل الفقهاء العثمانيين كفاتحين مسلمين جاءوا لتحريرهم من استعمار المماليك واعترفوا بهم كخلفاء شرعيين.

يقول ابن العماد عن سليم الأول العثماني: هو من بيت رفع الله على قواعده فسطاط السلطنة الإسلامية، ومن قوم أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن الايمانية رفعوا عماد الإسلام وأعلوا مناره وتواصوا باتباع السنة المطهرة وعرفوا للشرع الشريف مقداره وصاحب الترجمة منهم – أي سليم – هو الذي ملك بلاد العرب واستخلصها من أيدي

____________

(122) تاريخ الخلفاء. وابن حجر من أعيان القرن التاسع ومن كبار فقهاء أهل السنة وهو الذي تصدى لشرح البخاري بكتاب أسماه فتح الباري شرح صحيح البخاري وضع له مقدمة طويلة تحت عنوان هدى الساري دافع فيها عن الطعون التي وجهت للبخاري والقصيدة تزيد على الأربعين بيتا وقد اخترنا منها هذه الأبيات العشرة..



الصفحة 39


الجراكسة – المماليك – بعد ما شتت جمعهم… (125)

ويقول الشيخ مرعي الحنبلي مثنيا على سليم الأول لتصديه لإسماعيل الصفوي الشيعي مؤسس الدولة الصفوية في إيران: وفي أيامه تزايد ظهور شأن إسماعيل شاه واستولى على سائر ملوك العجم وقتل العلماء وأحرق كتبهم ونبش قبور المشايخ من أهل السنة، فلما بلغ السلطان سليم ذلك تحركت همته لقتاله وعد ذلك من أفضل الجهاد.. (126)

وعندما دخل سليم الأول حلب وحضر صلاة الجمعة فيها خطب الخطيب باسمه ونعته بخادم الحرمين الشريفين فسجد لله شكرا ثم ارتحل إلى الشام وأمر بعمارة قبة على الشيخ محي الدين بن عربي بصالحية دمشق.. (127)

وعندما دخل سليم الأول مصر ودانت له استقبله الفقهاء والقضاة فقام بتولية الأربع وهم كمال الدين الشافعي ونور الدين علي الطرابلسي الحنفي والدميري المالكي وشهاب الدين بن النجار الحنبلي… (128)

وكان القاضي بن ظهيره الشافعي قاضي مكة قد حبس بمصر بأمر من السلطان الغوري ثم أطلقه طومان باى بعد مصرع الغوري في وقعة مرج دابق، ولما جاء سليم الأول مصر جاء إليه بن ظهيره فأكرمه وعظمه وخلع عليه وجهزه إلى مكة معززا مكرما مع الإحسان إليه وجعله نائبه في تفريق الصدقات السليمية.. (129)

ولما دخل السلطان سليم الأول إلي مدينة تبريز لقتال شاه إسماعيل الصفوي أخذ معه إلى بلاد الروم الفقيه ظهير الدين الأردبيلي الحنفي الشهير بقاضي زاده وعين له كل يوم ثمانين درهما.. (130)

وفي سنة (956 هـ‍) جلس المولى عبد الكريم الملقب بمفتي شيخ الرومي الحنفي بقسطنطينية مشتغلا بالارشاد والفقه حتى أتقن مسائلة وعين له السلطان سليمان كل يوم مائة عثماني

____________

(123) حسن المحاضرة..

(124) تحقق للمذهب الحنفي أول انتشار عالمي في تاريخه على أيدي العثمانيين إذ أصبح المذهب الرسمي لكثير من الدول حتى اليوم، ولا زال المذهب الرسمي للأزهر.

(125) شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي ج‍ 8 / 143 أحداث عام 926 هـ‍..

(126) شذرات الذهب ج‍ 8 / 144. أحداث عام 926 هـ‍..

(127) المراجع السابق ص‍ 145.. ويذكر أن سليم الأول كان قد استصدر فتوى من الفقهاء تبيح له غزو مصر ومحاربة المسلمين. كما أن سليم الثاني استصدر فتوى عام 1570 م تبيح له نقض العهود والمواثيق مع أهل البندقية والعدوان عليهم..



الصفحة 40


ونصبه مفتيا فأفتى وظهرت مهارته في الفقه… (131)

ولم يكن حكم الأتراك العثمانيين يختلف في شئ عن حكم الأمويين والعباسيين وغيرهم من الدول الجائرة المستبدة التي كان الدين بالنسبة لها مجرد شعار ولا تطبق أحكامه إلا على الرعية..

وقد أحدث السلطان مراد الأول منصب قاضي العسكر الذي كان صاحب سلطة مطلقة تجاوزت الحدود العسكرية إلى السيطرة على القضاة والفقهاء والموظفين.. (132)

وخضت الهيئات الدينية والقضائية بعد عهد سليم الأول لمفتي استانبول أو ما أطلق عليه مفتي التخت السلطاني أو شيخ الإسلام، وعمل السلطان محمد الثاني وسليمان الأول على ودعم مركز شيخ الإسلام وتقوية شوكته ورفعه إلى أعلى المناصب الإدراية في الدولة.. (133)

ومع بروز الحركة الوهابية الحنبلية في جزيرة العرب وإعلانها الحرب على دولة الخلافة العثمانية، استثمر العثمانيون الفقهاء في مواجهتها وإبطال دعواها..

إلا أن الحركة الوهابية رغم الضربات القاتلة التي وجهت لها على يد محمد على حاكم مصر وقواته تمكنت من الانتصار على العثمانيين في النهاية والاستقلال بجزيرة العرب وذلك بدعم آل سعود وقوى أجنبية أخرى معادية للعثمانيين على رأسهم الانجليز… (134)

والعجيب أن الأفكار الحنبلية التي تبنتها تلك الحركة لا تنص على فكرة الخروج على الحاكم تحت أي دعوى، وأن نصوص أمام الحنابلة صريحة في ذلك.. (135)

والأكثر عجبا أن الوهابيين أقاموا نظام حكم في جزيرة العرب لا يمت بصلة إلى نظام الخلافة وكان أسوا بكثير من نظام حكم العثمانيين..

وتعايش الفقهاء مع حكم آل سعود في داخل الجزيرة وفي خارجها رغم أن عقيدة أهل السنة تنص على عدم جواز البيعة والطاعة لإمامين في وقت واحد توجب قتل الإمام الثاني

____________

(128) المرجع السابق ص‍ 146.

(129) المرجع السابق ص 148.

(130) المرجع السابق ص‍ 173 أحداث عام 930 هـ‍..

(131) المرجع السابق ص‍ 310..

(132) أنظر تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان..

(133) المرجع السابق..

(134) أنظر فصل مدافع محمد بن عبد الوهاب ومدافع ابن باز..

(115) تنص عقيدة الفقهاء وقواعد الفقه على أن الخليفة يجب أن يكون قرشيا وهو ما أشارت به الروايات..

(116) أنظر ترجمة ابن تيمية في الدور الكامنة.. وانظر تفصيل هذا الأمر في فصل مدافع ابن تيمية

(117) أنظر النجوم الزاهرة ج‍ 13 والمقريزي وكتب التاريخ.

(118) أنظر المراجع السابقة، وحسن المحاضرة للسيوطي ج‍ 2، ويذكر أن المستعين قام بعزل جلال الدين البلقيني قاضي الشافعية لتحالفه مع الناصر فرج. وكان للبلقيني دور بعد ذلك في التآمر على


No Comments Yet »

أتريد أن تقول أي شيء؟خلاصة آخر التعليقات RSS عنوان التتبع

    Blog Stats

    • 30,318 hits