محاولات لنقش أغنية على جدار الطلسم

فاطمة الزهراء ع ظلاماتها/الهجوم على الدار-سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله | أبريل 07th 2007

لقد امتلأت حياة فاطمة (ع) القصيرة التي لم تتجاوز العشرين سنة على بعض الأقوال بالمعاناة الكثيرة والمصائب الجليلة. وقد تحدثنا عن معاناتها وقساوة عيشها، وبقي أن نتحدث عما هو أمرّ من ذلك وأدهى، أعني مصائبها وظلاماتها التي تعرضت لها بعد وفاة أبيها، مما يدمى له فؤاد الغيور، ويحترق لوقعه قلب المسلم، ويتفتت له كبد الرسول (ص) ، ومما شكّل جرحاً نازفاً في الجسم الإسلامي أسّس لجراحات مؤلمة أعقبته وكانت ناتجة عنه، وكان أفجعها وأمرّها قتل سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين وأهل بيتـه في صحراء كربلاء وسبي نسائه وأطفاله إلى الشام يساقون كما تساق الإماء . وهذه الظلامات رواها السنة والشيعة، ولا نجازف إذا قلنا إن الروايات التي تتحدث عن مظلوميتها متضافرة ومستفيضة، بل تكاد تكون متواترة .

*********

ذكر المؤرخون ومنهم ابن قتيبة في (( الإمامة والسياسة))، أنّ القوم جاءوا ـ بعد وفاة الرسول وحادثة السقيفة ـ بالحطب ليحرقوا بيت علي وفاطمة[64]، تهديداً لهما ولمن يعتبرونهم معارضة قد اجتمعت في بيت علي (ع) ، وقد قيل لقائد الحملة: يا هذا، إنّ في البيت فاطمة، وفاطمة هي الإنسانة التي يلتقي المسلمون على حبّها واحترامها وتعظيمها، لأنها البنت الوحيدة التي تركها رسول الله بعد وفاته، ولأنها بضعة منه يغضبه ما يغضبها ويؤذيه ما يؤذيها…فكيف تأتي بالنار لتحرق بيتها؟

ولكنه قال كلمته الشهيرة التي عبّر الشاعر المصري (حافظ إبراهيم )عن خطورتها بقوله:

وقولة لعـلي قالهــا عمـر أكرم بسامعها أعظـم بملقيها

حرقت دارك لا أبقى عليك بها إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفوه بها أمام فارس عدنـان وحاميـها

وهي قوله : ((وإن)).

ونحن نعتبر هذه الكلمة من أخطر الكلمات، لأنها تعني فيما تعنيه أنه لا مقدسات في هذا البيت، فلا مانع من أن يحرق على أهله !

إنّ هذه الكلمة تشير إلى روحية القوم وما كانوا يهيئون له، مع أنهم لو فتحوا باب الحوار الإسلامي من خلال الكلمات الطيبة، لرأوا أن علياً هو إنسان الحوار كما كان في كل حياته حتى بعد أن أصبح خليفة، ولوجدوا أن فاطمة هي إنسانة الحوار، لأن القرآن الذي كانت فاطمة أكثر الناس التزاماً به كان كتاب الحوار، لكن القوم كانوا قد تجاوزوا مرحلة الحوار عندما جمعوا الحطب لإحراق بيت الزهراء (ع) ، وقال قائلهم تلك الكلمة جواباً لقولهم إن فيها فاطمة ، فقال ((وإن))، والتي تعبر عن أبشع الظلم الذي تعرضت له الزهراء (ع).

  • مظالم أخرى

وهناك بعض الحوادث التي تعرّضت لها ممّا لم تتأكد لنا بشكل قاطع وجازم، كما في مسألة حرق الدار فعلاً، وكسر الضلع، وإسقاط الجنين، ولطم خدها وضربها.. ونحو ذلك مما نقل إلينا من خلال روايات يمكن طرح بعض علامات الاستفهام حولها، إما من ناحية المتن وإما من ناحية السند، وشأنها شأن الكثير من الروايات التاريخية. ولذا فقد أثرنا بعض الاستفهامات كما أثارها بعض علمائنا السابقين رضوان الله عليهم، كالشيخ المفيد[65] الذي يظهر منه التشكيك في مسألة إسقاط الجنين، بل في أصل وجوده ـ وإن كنا لا نوافقه على الثاني ـ، ولكننا لم نصل إلى حد النفي لهذه الحوادث ـ كما فعل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء(قده) بالنسبة لضربها ولطم خدها[66] ـ، لأن النفي يحتاج إلى دليل كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل ، ولكن القدر المتيقن من خلال الروايات المستفيضة، بل المتواترة تواتراً إجمالياً، هو الاعتداء عليها من خلال كشف دارها والهجوم عليه والتهديد بالإحراق، وهذا كافٍ للتدليل على حجم الجريمة التي حصلت.. هذه الجريمة التي أرّقت حتى مرتكبيها، ولذا قال الخليفة الأول لما دنته

الوفاة: “ليتني لم أكشف بيت فاطمة ولو أعلن عليّ الحرب”[67

***********

(64) الإمامة والسياسة، ابن قتيبة، ص:12، انتشارات الشريف الرضي، مصوّرة عن الطبعة المصرية، قم ـ إيران، 1969م. تاريخ الطبري، ج:2، ص:443، قم ـ إيران، مصورة عن الطبعة المصرية المطبوعة بتاريخ 1939م. أنساب الأشراف، ج:1، ص:586. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج:6، ص:50، وغيره، فراجع: عوالم الزهراء، ص:404 وما بعدها، فقد أشار إلى مصادر ذلك. وقد روى الحادثة صاحب الاحتجاج، ج:1، ص:105، على الشكل التالي: عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: “ثم إن عمر احتزم بإزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع له فهلمّوا إلى البيعة، فينثال الناس يبايعون، فعرف أن جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع كثير ويكبسهم ويحضرهم المسجد، فيبايعون، حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي(ع)، فطالبه بالخروج، فأبى، فدعا عمر بحطبٍ ونار وقال: والذي نفس عمر بيده ليخرجنّ أو لأحرقنه على ما فيه، فقيل له إن فاطمة بنت رسول الله وولدَ رسول الله وآثار رسول الله(ص) فيه، وأنكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك، إنما أردت التهويل، فراسلهم علي أن ليس إلى خروجي حيلة، لأنني في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه وألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أدع ردائي على عاتقي حتى أجمع القرآن..”.

(65) الإرشاد، ج:1، ص:355. وهكذا يظهر من الطبرسي في “إعلام الورى بأعلام الهدى”، ج:1، ص:395، مؤسسة آل البيت، إيران، 1417هـ.

(66) جنة المأوى، محمد حسين كاشف الغطاء، ص:135. دار الأضواء، بيروت، 1988م.

(67) شرح نهج البلاغة، ج:6، ص:50، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم، المؤسسة الجامعية للدراسات الإسلامية، لبنان. ولسان الميزان، ج:4، ص:189، وفيه: “وددت أني لم أكشف بيت فاطمة وتركته وإن أغلق على الحرب”. كما نقله عنه في عوالم الزهراء، ص:417.


No Comments Yet »

أتريد أن تقول أي شيء؟خلاصة آخر التعليقات RSS عنوان التتبع

    Blog Stats

    • 30,159 hits